ابن كثير

223

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ممتنع ، وقال السدي قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يقول : لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولدا ولكن لا ولد له ، وهو اختيار ابن جرير « 1 » ورد قول من زعم أن إن نافية . ولهذا قال تعالى : سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ أي تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد فإنه فرد أحد صمد ، لا نظير له ولا كفء له فلا ولد له . وقوله تعالى : فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا أي في جهلهم وضلالهم وَيَلْعَبُوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وهو يوم القيامة أي فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم وحالهم في ذلك اليوم قوله تبارك وتعالى : وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض يعبده أهلها وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ وهذه الآية كقوله سبحانه وتعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ [ الأنعام : 3 ] أي هو المدعو اللّه في السماوات والأرض وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي هو خالقهما ومالكهما ، والمتصرف فيهما بلا مدافعة ولا ممانعة ، فسبحانه وتعالى عن الولد وتبارك ، أي استقر له السلامة من العيوب والنقائص ، لأنه الرب العلي العظيم المالك للأشياء الذي بيده أزمة الأمور نقضا وإبراما . وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ أي لا يجليها لوقتها إلا هو وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي فيجازي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ثم قال تعالى : وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ أي من الأصنام والأوثان الشَّفاعَةَ أي لا يقدرون على الشفاعة لهم إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ هذا استثناء منقطع . أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم ، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له . ثم قال عز وجل : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي ولئن سألت هؤلاء المشركين باللّه العابدين معه غيره مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك ، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئا ولا يقدر على شيء ، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل . ولهذا قال تعالى : فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . وقوله جل وعلا : وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ أي وقال محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قيله أي شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه فقال يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى : وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [ الفرقان : 30 ] وهذا الذي قلناه هو قول ابن مسعود رضي اللّه عنه ومجاهد وقتادة ، وعليه فسر ابن

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 216 .